انكسار القيد.. ولادة "الشبح"
توقف زيد على بُعد خطوات قليلة من الرجال الثلاثة. كانت رائحة السجائر الرخيصة تفوح في الهواء المكتوم، وصوت احتكاك نصل المطواة بقطعة من القماش يزيد من توتر الصمت المحيط. كان أحدهم ضخم الجثة، يرتدي سترة جلدية مهترئة، وتظهر على وجهه ندبة قديمة تقسم حاجبه الأيسر.
"إلى أين يا دكتور الجمال؟" سأل صاحب الندبة وهو يخطو خطوة للأمام، مانعاً زيد من المرور. "الطريق في هذا الوقت له ضريبة، وأنت تبدو كمن يملك الكثير في جيوبه."
خفض زيد رأسه قليلاً، لترتخي خصلات شعره الناعم على جبينه، محاولاً الحفاظ على نبرة صوته هادئة ومنكسرة:
"أنا طالب بسيط يا إخوة.. وهذا كل ما أملك."
أخرج زيد هاتفه القديم وبضعة جنيهات وساعته التي تآكل سوارها، ومدهما بِيَدٍ مرتعشة "تمثيلاً". اختطف الرجل الضخم الساعة وبصق على الأرض باحتقار:
"ساعة خردة وهاتف أثري؟ هل تسخر منا؟ أم أنك تخبئ الباقي في مكان آخر؟"
مد الرجل يده بخشونة وجذب ياقة قميص زيد النظيف، ليمزق الزر العلوي منه. شعر زيد ببرودة هواء الليل تلامس صدره، لكنه لم يتحرك. تذكر وجه والدته، وتذكر أن شقيقاته ينتظرنه على العشاء. كان يبتلع غضبه كمن يبتلع جمراً مشتعلاً.
لحظة التحول
في تلك الأثناء، ظهر من خلفهم طفل صغير، "عمر"، أحد أبناء القرية الذين يعولون أسرهم ببيع الخبز. كان الصغير يركض خائفاً، محاولاً تجاوزهم بسرعة. لكن الرجل الثاني في العصابة، وهو شاب نحيل ذو نظرات سادية، مد رجله في طريق الطفل.
سقط الطفل بقوة على وجهه الترابي، وتناثر الخبز في كل مكان. صرخ الصغير من الألم، لكن الرجل النحيل لم يكتفِ بذلك؛ بل رفع قدمه الثقيلة وقرر أن يدهس يد الطفل الصغيرة التي كانت تحاول جمع أرغفة الخبز.
"دعنا نرى كيف ستعجن الخبز بيدك المحطمة!" قالها الرجل بضحكة هستيرية.
في تلك الثانية، حدث شيءٌ في أعماق زيد لم يختبره من قبل. شعر بدمه يغلي في عروقه كالرصاص المذاب. كل سنوات "الغُلب" والتمثيل بأنه شاب مسالم تلاشت.
"ارفع قدمك عنه.. الآن!"
خرج صوت زيد من أعماق حنجرته، لم يكن صوت طالب تمريض، بل كان زئيراً خفيضاً جعل الرجال الثلاثة يتوقفون في أماكنهم من المفاجأة. نظروا إليه، فوجدوا زيداً آخر؛ كانت عيناه الملونتان تتوهجان ببريق مرعب، وجسده الذي كان يبدو مستسلماً صار مشدوداً كوتر قوسٍ على وشك الانطلاق.
القتال الصامت
سخر الرجل الضخم: "ماذا قلت يا..."
ولم يكمل جملته. تحرك زيد بسرعة لم تألفها عيونهم. استخدم "دقة الخياط" في تحديد الهدف؛ سدد ضربة بظهر يده إلى حنجرة الرجل الضخم، ضربة جعلت الرجل يسقط على ركبتيه وهو يمسك برقبته غير قادر على الصراخ أو التنفس.
انقض الرجلان الآخران في آن واحد. استل أحدهما مطواته وطعن في اتجاه صدر زيد. هنا ظهرت "قوة عامل البناء"؛ أمسك زيد بمعصم الرجل بِيَد واحدة، وضغط عليها بقوة جعلت العظام تئن وتتحطم، ليسقط السلاح أرضاً. وبحركة سريعة تعلمها من "تشريح الجسد"، سدد لكمة قوية إلى منطقة الكبد، جعلت الرجل يتقيأ دماً ويسقط غائباً عن الوعي.
بقي الرجل الثالث، الذي كان يحاول دهس الطفل. كان يرتجف وهو يرى رفاقه يُسحقون أمام "الشاب الجميل". حاول الهرب، لكن زيداً كان أسرع؛ قفز عليه وأسقطه أرضاً، وبدأ يكيل له الضربات ببرود مخيف. لم يكن ضرباً عشوائياً، بل كان "تفكيكاً" لجسد اعتدى على براءة.
انتهى كل شيء في دقائق معدودة. ثلاثة أجساد هامدة على الطريق الترابي. كان زيد يقف وسطهم، قميصه ممزق، ووجهه عليه بقعة دم صغيرة، وشعره الناعم مبعثر بشكل وحشي.
التفت إلى الطفل الذي كان جالساً في التراب، وعيناه متسعتان من الذهول. لم يهرب الطفل، بل كان ينظر إلى زيد كأنه رأى "ملاكاً منتقماً" نزل من السماء.
"هل أنت بخير يا بني؟" سأل زيد، وعادت نبرة صوته للهدوء، لكنها كانت محملة بتعبٍ عظيم.
هز الطفل رأسه إيجاباً وهو يرتجف. مسح زيد الدم عن جبهته، وشعر بدوار شديد؛ فجراحه كانت تنزف، والإرهاق الذي كبته لسنوات انفجر في جسده دفعة واحدة.
"اذهب لبيتك.. ولا تخبر أحداً.. عدني."
ركض الطفل وهو يلتفت خلفه، بينما تهاوى زيد ببطء ليسقط بجانب الطريق، غارقاً في ظلامٍ دامس، بينما بدأت أنوار القرية البعيدة تتراقص أمام عينيه قبل أن يغيب عن الوعي تماماً.